أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

251

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

يمدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : 2189 - من قبلها طبت في الظّلال وفي * مستودع حيث يخصف الورق « 1 » يشير إلى الجنة ، أي : حيث يخرز ويطابق بعضها فوق بعض . قوله : « عَلَيْهِما » . قال الشيخ « 2 » : « الأولى أن يعود الضمير في « عَلَيْهِما » على عورتيهما ، كأنه قيل : يخطفان على سوأتيهما ، وعاد بضمير الاثنين ، لأن الجمع يراد به اثنان ، ولا يجوز أن يعود الضمير على آدم وحواء ، لأنه تقرر في علم العربية أنه لا يتعدى فعل الظاهر والمضمر المتصل إلى الضمير المتصل المنصوب لفظا أو محلا في غير باب « ظن ، فقد ، وعدم ، ووجد ، لا يجوز : زيد ضربه ، ولا ضربه زيد ، ولا زيد مرّ به ، ولا مرّ به زيد ، فلو جعلنا الضمير في « عَلَيْهِما » عائدا على « آدم وحواء » للزم من ذلك تعدى « يخصف » إلى الضمير المنصوب محلا ، وقد رفع الضمير المتصل ، وهو الألف في « يَخْصِفانِ » ، فإنّ أخذ ذلك على حذف مضاف مراد جاز ذلك ، وتقديره : « يخصفان على بدنيهما » . قلت : ومثل ذلك فيما ذكر : وَهُزِّي إِلَيْكِ « 3 » ، وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ « 4 » ، وقول الشاعر : 2190 - هوّن عليك فإنّ الأمور * بكفّ الإله مقاديرها « 5 » وقوله أيضا : 2191 - دع عنك نهبا صيح في حجراته * ولكن حديث ما حديث الرّواحل « 6 » « مِنْ وَرَقِ » يحتمل أن تكون « مِنْ » لابتداء الغاية ، وأن تكون للتبعيض . وقرأ أبو السّمّال « وَطَفِقا » بفتح الفاء ، وهي لغة كما تقدم . وقرأ الزهري « يخصفان » ، بضم حرف المضارعة من « أخصف » ، وهي تحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون أفعل بمعنى فعل . والثاني : أن تكون الهمزة للتعدية ، والمفعول على هذا محذوف ، أي : يخصفان أنفسهما ، أي : يجعلان أنفسهما خاصفين . وقرأ الحسن ، والأعرج ، ومجاهد ، وابن وثاب « يخصّفان » بفتح الياء وكسر الخاء والصاد مشددة ، والأصل : يختصفان ، فأدغمت التاء في الصاد ، ثم اتبعت الخاء للصاد في حركتها ، وسيأتي لهذه القراءة نظير في يونس ، ويس ، نحو : يَهْدِي « 7 » ، و « يَخِصِّمُونَ « 8 » . وروى محبوب عن الحسن كذلك ، إلا أنه فتح الخاء ، فلم يتبعها للصاد ، وهي قراءة يعقوب أيضا ، وبان بريدة . وقرأ عبد اللّه « يخصّفان » بضم الياء والخاء وكسر الصاد مشددة ، وهي من « خصّف » بالتشديد ، إلا أنه أتبع الخاء للياء قبلها في الحركة ، وهي قراءة عسرة النطق . ويدل على أن أصلها من خصّف بالتشديد قراءة بعضهم كذلك ، إلا أنه يفتح الخاء على أصلها . قوله : « أَ لَمْ أَنْهَكُما » هذه الجملة في محل نصب بقول مقدر ، ذلك القول حال ، تقديره : وناداهما قائلا ذلك ولم يصرّح هنا باسم

--> ( 1 ) انظر البيت في ابن الشجري ( 2 / 337 ) ، أمالي الزجاجي ( 65 ) ، اللسان ( خصف ) حاشية الشهاب ( 4 / 159 ) . ( 2 ) انظر البحر ( 4 / 280 ) . ( 3 ) سورة مريم ، آية ( 25 ) . ( 4 ) سورة القصص ، آية ( 32 ) . ( 5 ) تقدم . ( 6 ) انظر ديوانه ( 94 ) ، المقرب ( 1 / 195 ) ، الصاحبي ( 18 ) ، اللسان ( حجر ) . ( 7 ) سورة يونس ، آية ( 35 ) . ( 8 ) سورة يس ، آية ( 49 ) .